بريف – متابعة –
تسلط سيرة الطبيب الهولندي بي. إتش. فان دير هوخ، الذي اعتنق الإسلام لاحقا باسم “محمد عبد العلي”، الضوء على واحدة من أكثر القصص ارتباطا بتقاطع الاستعمار والعلم والدين والحج خلال النصف الأول من القرن العشرين، بعدما انتقل من أوروبا إلى الحجاز في رحلة غيّرت مسار حياته وهويته.
ولد فان دير هوخ في أسرة عسكرية ودرس الطب في جامعة لايدن قبل أن يعمل في جزر الهند الشرقية الهولندية، حيث اكتسب خبرة واسعة في مكافحة الأمراض الاستوائية، كما طوّر موقفا نقديا تجاه البيروقراطية العسكرية والاستعمارية أثناء خدمته هناك.
عاد إلى هولندا وحصل على الدكتوراه في الأمراض الجنسية عام 1922، لكنه ظل منشغلا بأسئلة دينية وفكرية تتجاوز حدود الطب، قبل أن يتلقى عرضا للعمل في الحجاز ضمن جهود تطوير الصحة العامة ومراقبة الأمراض المرتبطة بالحج.
وصل إلى جدة عام 1928 ليجد مدينة تواجه تحديات صحية كبيرة مع تدفق عشرات الآلاف من الحجاج، بينما كانت السلطات السعودية تسعى إلى استقدام خبرات متخصصة في علم البكتيريا لإنتاج اللقاحات وفحص المياه وتدريب كوادر محلية وتعزيز الرقابة الصحية.
اختير للمنصب بسبب خبرته العلمية، لكنه سرعان ما تأثر بالمشهد الروحي للحج، ليعلن إسلامه وسط تشكيك أوروبي في دوافعه واتهامات بأن الخطوة قد تخدم أهدافا بحثية أكثر من كونها تحولا عقائديا حقيقيا.
بعد عودته إلى هولندا درس العربية وتعلم الصلاة والقرآن، ثم عاد إلى مكة حاجا عام 1935، حيث وصف الوقوف بعرفات بأنه ذروة تجربته الروحية وشعورا نادرا بوحدة البشر رغم استمرار ملاحظاته النقدية للظروف الصحية الصعبة.
وتبقى قصته نموذجا لشخصية عاشت بين عالمين، محتفظة بعقلها العلمي الأوروبي وبحثها المستمر عن المعنى الديني، من دون أن تنتمي بالكامل إلى أي منهما.











