متابعة _ بريف
د. قدير قولكاريان، باحث في شؤون سياسات الشرق الأوسط
ترجمة: د. فاضل علي
أصدقائي الأعزاء وقراء أعزّاء، رغم أن التطورات السياسية في البلاد والمنطقة هذا الأسبوع كثيرة، فضّلت أن أتناول موضوعاً بات يؤرق كثيراً من الناس في المجتمع؛ خصوصاً حين يتلقى منشور فنان مثل پرويز پرستويي آلاف الشتائم والإساءات، حتى إن بعض هذه الإهانات تجاوزت حدود الاحترام الشخصي والعائلي. أصدقائي الأعزاء، الحرب ليست فقط ما يحدث في السماء، على الحدود، في القواعد العسكرية أو غرف القيادة. أحياناً يكون أخطر جزء من الحرب هادئاً وغير مرئي، يتسلل إلى داخل البيوت وبيئات العمل وحلقات الأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي مثل هذه الحالة، قبل أن ينهار مبنى، تتضرر الثقة بين البشر، وقبل أن تُزاح حدود جغرافية، تتشكل حدود عاطفية بين أفراد المجتمع.
يمر المجتمع الإيراني اليوم بحالة لا يمكن وصفها بالسلام المستقر، ولا هي بالضرورة حرب شاملة بالمعنى الكلاسيكي. استمرار التهديد الأمريكي، الهجمات المتقطعة، الضغوط الخارجية، عدم اليقين الاقتصادي، الدعاية الإعلامية، والقلق على المستقبل، كل ذلك خلق أجواءً مستنزفة في البلاد. في مثل هذا الوضع، لا يعرف الناس متى تنتهي الأزمة، وإلى أي مدى ستتوسع، وما تأثيرها على الأمن والمعيشة ومستقبل أبنائهم.
عادةً ما يكون العقل البشري أكثر قدرة على مواجهة خطر قصير الأمد. فحين تقع حادثة ونهايتها معروفة، يستطيع الفرد أن يعبّئ طاقته النفسية لتجاوز الأزمة، كما رأينا في الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات. لكن حين يكون الخطر ممتداً وغير محدد، يبقى الإنسان في حالة ترقّب دائم. ونتيجة هذا الوضع قد تكون القلق، الأرق، التشاؤم، سرعة الانفعال، وتراجع تحمّل الآخرين. كثير من النزاعات التي تبدو ظاهرياً حول تحليل سياسي أو منشور افتراضي أو جملة قصيرة، هي في الواقع تفريغ لمخاوف وضغوط مصدرها الحقيقي في مكان آخر.
نحن في وضع لا يستطيع فيه أحدنا التأثير مباشرة على قرارات قادته السياسيين أو قرارات العدو. الوضع العسكري لأمريكا وإسرائيل ضاعف المشكلة. المواطن في مثل هذا الوضع يشعر بالعجز أمام قوى أكبر بكثير منه. وهذا الشعور بانعدام القدرة يولّد الغضب؛ لكن بما أن مصدر الغضب الأصلي بعيد المنال، ينتقل الغضب إلى أقرب الأشخاص: الزوج، الابن، الصديق، الزميل، الأستاذ، الكاتب، الصحفي، أو حتى مستخدم مجهول على وسائل التواصل الاجتماعي أو أحد المشاهير.
لهذا السبب تجد أحياناً أن شدة ردود الفعل لا تتناسب مع موضوع الخلاف. رأي سياسي بسيط قد يفرّق بين صديقين قديمين أو يحوّل العلاقات العائلية إلى عداوة. المشكلة ليست فقط أن الناس لديهم آراء مختلفة؛ بل تبدأ٧ المشكلة حين يتحول الخلاف السياسي إلى حكم أخلاقي على شخصية الإنسان.
في مجتمع سليم، يقول الفرد: “أنا أخالفك الرأي.” لكن في المجتمع المستقطب، تتحول الجملة إلى: “بما أنك تخالفني، فأنت جاهل أو خائن أو عميل أو عدو.” عند هذه المرحلة، لم يعد الكلام والحجة هو الموضوع الأساسي؛ بل تُوضع هوية الطرف الآخر وقيمته الإنسانية موضع تساؤل.
الحرب تدفع العقل نحو الثنائية الحادة: معنا أو ضدنا؛ محب للوطن أو خائن له؛ مؤيد للشعب أو مؤيد للحكومة؛ مدافع عن البلاد أو متعاون مع العدو. قد تكون هذه التصنيفات مفيدة في الميدان العسكري، لكنها حين تنتقل إلى العلاقات الاجتماعية، تمحو تعقيد البشر.
الحقيقة أن المواطن يمكن أن يعارض في آنٍ واحد سياسات الحكومة الداخلية، لكنه يدين الهجوم الخارجي؛ يدافع عن وحدة أراضي إيران، وفي الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول قرارات المسؤولين؛ أو يطالب بإنهاء الحرب عبر الدبلوماسية، وفي المقابل قد يؤيد الحرب بسبب معاناة شعبه وما شهده من جرائم ناتجة عن هجمات العدو واستشهاد كثير من أحبائه. لا يُلغي أيٌّ من هذه المواقف الآخر بالضرورة، ولا ينبغي أن يفعل.
مع ذلك، في الأجواء العاطفية المستقطبة، تُفسَّر أحياناً معارضة العدوان الخارجي على أنها دعم مطلق للسلطة، وقد يُنظر إلى نقد الحكومة على أنه دليل تماهٍ مع العدو. ونتيجة لذلك، تختفي المساحة الوسطى التي يقيم فيها جزء كبير من المجتمع. يشعر الناس بأنهم مضطرون للانحياز إلى أحد المعسكرين، وأي كلام متوازن يُعدّ خيانة للمعسكر الذي ينتمون إليه. بعبارة أخرى، لم يعد المجتمع يعرف سوى لونين: إما أسود أو أبيض!
هذا الوضع أشد حدةً بين الأكاديميين والكتّاب والفنانين والصحفيين وغيرهم من الشخصيات المعروفة. قد تُدين شخصية علمية أو ثقافية، من موقع منصف، الهجوم الخارجي أو تحذّر من خطر التقسيم وعدم الاستقرار ومعاناة الناس. لكن بعض الجمهور، بدلاً من فحص مضمون الكلام، يسأل فوراً: “لمصلحة من هذا الكلام؟” فإن كان كلامه ضد الهجوم الخارجي، قد يُتهم بدعم الحكومة. وإن انتقد السياسات الداخلية، اتهمته فئة أخرى بالتماهي مع العدو. وهكذا يُعاقَب الاستقلال الفكري من الجهتين معاً، وتُوضع الشخصيات العامة تحت ضغط للتحدث تماماً وفق توقعات إحدى الجبهتين.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدّة هذه الأزمة أيضاً. فقد ألغت هذه الشبكات المسافة بين الأفراد، وأتاحت إمكانية التواصل المباشر مع الأساتذة والكتّاب والشخصيات الاجتماعية. أصل هذا التواصل يمكن أن يكون إيجابياً وديمقراطياً؛ لكن المشكلة تبدأ حين يُخلط بين حق النقد وحق الإهانة.
يظن بعض الأشخاص، بدافع شعورهم بالتفوق الأخلاقي، أنهم لأنهم “يدافعون عن الحقيقة”، يحق لهم استخدام أي كلمة يريدونها. فهم لا يكتفون بانتقاد كلام باحث أو شخصية ذات خبرة، بل يكتبون له بنبرة تحقيرية وصفةً لإصلاح فكره وأخلاقه؛ وكأن اختلاف وجهة النظر يُبطل كل سجله العلمي وخبرته الحياتية وكرامته الإنسانية. وقد يسمح شخص حديث العهد لنفسه، انصياعاً لعواطفه، أن يخاطب من هو أكبر منه سناً وأكثر خبرة، أو يكتب تحت أحد منشوراته: “من الأفضل أن تقف في الجانب الصحيح من التاريخ!” أو أشد من ذلك: “أرجوك فكّر… أتمنى ألا يُلصق بجبينك يوماً وصمة معاداة الوطن!”
لا ينبغي للسن أو الشهرة أو المكانة العلمية أن تُحصّن أحداً من النقد؛ لكن النقد أيضاً ليس تصريحاً بالإهانة. يمكن دحض فكرة أستاذ أو كاتب بالحجة، دون المساس بكرامته. فكما أن احترام أصحاب الخبرة لا يعني الاستسلام الفكري، فإن حرية التعبير لا تعني التحرر من المسؤولية الأخلاقية.
أمثلة هذا النوع من الانقسام الاجتماعي كثيرة في أنحاء العالم. ففي زمن حرب فيتنام، انقسم المجتمع الأمريكي بشدة. اعتُبر معارضو الحرب من قبل فئة خونة يضعفون البلاد، واتُّهم مؤيدو الحرب من قبل المعارضين باللامبالاة تجاه معاناة البشر. تحولت العائلات والجامعات ووسائل الإعلام إلى ساحات صراع. وأحد الدروس المهمة من تلك التجربة أن معارضة سياسة الحرب الحكومية لا تعني بالضرورة العداء للبلاد أو للجنود.
في أيرلندا الشمالية أيضاً، قسّم الصراع الذي دام عقوداً بين الكاثوليك والبروتستانت المجتمع على أساس الهوية الدينية والسياسية. انفصلت الأحياء والمدارس بل حتى العلاقات اليومية عن بعضها. وبعد اتفاق السلام، ساعد إنشاء مدارس مشتركة وبرامج حوار مشتركة على تخفيف جزء من العداوات. أظهرت تجربة أيرلندا أن التواصل المستمر والمنظّم بين الفئات المتخاصمة يمكن أن يضعف الصورة اللاإنسانية عن “الآخر”.
جنوب أفريقيا، بعد نهاية نظام الفصل العنصري، كانت أيضاً عرضة للانتقام والعنف الواسع. وكان تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة محاولةً لتمكين الضحايا من الكلام، وتوثيق حقائق الماضي، وإيجاد طريق للمجتمع لمواصلة الحياة المشتركة دون نسيان الجرائم. والرسالة الأساسية من هذه التجربة أن المصالحة مستحيلة دون الحقيقة والاعتراف بمعاناة الضحايا.
أما تجربة البلقان ففيها تحذير آخر. ففي بعض المناطق، انتهت الحرب، لكن بقيت المدارس المنفصلة، ووسائل الإعلام العرقية، والروايات التاريخية المتضاربة. ونتيجةً لذلك، اقتصر السلام في بعض الحالات على مجرد توقف إطلاق النار، واستمرت العداوة في ذاكرة الأجيال الجديدة. تُظهر هذه التجربة أن سكوت السلاح لا يعني بالضرورة نهاية الحرب الاجتماعية.
لكن إيراننا، للأسف، بسبب امتلاكها جيلاً شاباً، لن تستطيع بسهولة تجاوز هذه الأزمة الأخلاقية والنفسية. فقد كثرت الإساءات، وبردت العلاقات الدافئة السابقة، وازداد الاصطفاف، ويكاد الأب يعادي ابنه، والزوجة زوجها، والصديق صديقه أو زميله، بل قد يصل الأمر إلى أن يقول أحدهم للآخر إنه بهذا النهج سيخسر حتى أحباءه!
لتجنب مثل هذا المصير، يجب على المجتمع الإيراني قبل كل شيء أن يميّز بين ثلاثة مفاهيم: إيران، الحكومة، والسياسات المحددة.
علينا أن نعرف أن إيران هي الأرض والشعب والتاريخ والثقافة المشتركة بيننا. أما الحكومة فهي بنية سياسية يمكن بل يجب أن تُنتقد. والسياسات هي قرارات قد تكون صائبة أو خاطئة. الدفاع عن إيران لا يعني إقرار كل أداء الحكومة، ونقد الحكومة لا ينبغي أن يُفسَّر عداءً للبلاد. ومن المؤسف أن هذا النمط من التفكير يتزايد أيضاً بين بعض المسؤولين، وهو خطر أشد فتكاً من قنبلة العدو.
يحتاج المجتمع أيضاً إلى حدٍّ أدنى مشترك وطنياً؛ ليس اتفاقاً على كل القضايا، بل اتفاقاً على قواعد الاختلاف. علينا أن نقبل أن الحفاظ على أرواح المدنيين، والدفاع عن وحدة الأراضي، ومعارضة التقسيم، وحق النقد السلمي، ورفض الإهانة ونزع الصفة الإنسانية عن الآخر، وتفضيل الدبلوماسية على استمرار العنف، يمكن أن تكون جزءاً من هذه المبادئ المشتركة.
يمكن للعائلات وبيئات العمل أيضاً أن تضع قواعد بسيطة للنقاش السياسي: منع نسبة النوايا دون دليل، وعدم استخدام أوصاف مثل “خائن” و”عميل”، وتوجيه النقد نحو الكلام لا الشخص، وإيقاف الحوار عند وصوله إلى الإهانة. ولا ينبغي إجبار أحد على مناقشة السياسة في ذروة قلقه.
مسؤولية الإعلام والشخصيات العامة ثقيلة جداً. عليهم فصل الخبر عن التحليل، وتجنّب نشر معلومات غير مؤكدة، وعدم تأجيج غضب المجتمع وخوفه سعياً لجذب الجمهور. وعلى الحكومة أيضاً أن تدرك أن التماسك الوطني لا يُبنى بالأوامر والشعارات. فالشفافية، وتقديم معلومات دقيقة، وقبول حق التساؤل، والتمييز بين الناقد الداخلي والعدو الخارجي، هي من أسس الثقة العامة.
الخطر الحقيقي ليس أن يختلف الإيرانيون حول الحرب أو الحكومة أو السياسة الخارجية. فالاختلاف طبيعي في أي مجتمع. الخطر يبدأ حين يتحول الخصم السياسي إلى عدو إنساني، وتُخرج كل فئة الأخرى من دائرة الأمة.
قد ينتهي القصف يوماً وتصمت الأسلحة؛ لكن إن بقي الاحتقار والكراهية وانعدام الثقة في المجتمع، فستستمر الحرب بشكل آخر. النصر الحقيقي ليس فقط تجاوز التهديد الخارجي؛ بل الحفاظ على قدرة الإيرانيين على العيش معاً، بكل خلافاتهم وجراحهم، جزء أساسي من الأمن الوطني.
—












